منتدى الحافي




 
الرئيسيةمجلة المنتدىس .و .جالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الانحراف الفكـري وأثره على الأمن الوطنـي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام
Admin
Admin
avatar

المملكة العربية السعوية
رقم العضوية : 1
رسالة sms
نقاط : 2488
ذكر
عدد المساهمات : 952
الجدي
تاريخ التسجيل : 30/12/2009

بطاقة الشخصية
الورقة الشخصية:
الورقة الشخصية
al7afe

مُساهمةموضوع: الانحراف الفكـري وأثره على الأمن الوطنـي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة   الخميس يونيو 24, 2010 9:27 pm

الانحراف الفكـري وأثره على الأمن الوطنـي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة

البحث الفائز في مسابقة جائزة مجلس التعاون لدول الخليج العربي للبحوث الأمنيـة لعام 1426هـ / 2005م


مقدمــة :

من القوانين الرياضية التطبيقية الرائعة ذلك القانون الذي يؤكد: أن الخط المستقيم هو اقصر مسافة بين أي نقطتين. وتأتى روعة هذا القانون من تطبيقه على أرض الواقع حيث إنه لا يمدنا بوفرة وقت وجهد فحسب بل يمدنا أيضا بتحديد مسار ووضوح هدف.

إن الحياة كلها بمعانيها ونماذجها البشرية وغير البشرية تبقى وتستمر إذا وضعت لها الاستقامة منهجا، وتختل وتضطرب إذا كان العوج والإنحراف سبيلا لها ومسارا. فالانحراف في غالبه ضار وسيئ. فانحراف المبنى يعرضه للسقوط، وانحراف الطريق يؤدي للحوادث وانحراف السلوك يوصل للضياع والتهلكة، وذلك في كل جوانب الحياة.

والفكر كأحد جوانب الحياة الهامة إن استقام على الحق والصواب فإن حجم فوائده وكثرتها ستفيض على الفرد والمجتمع والبشرية جمعاء. وان تطرف وانحرف عن السواء، فإنه سيخطئ ويجانبه الصواب فيضل ويضلل ويضر ويهلك.

إن خطورة الانحراف الفكري تأتى من آثاره السلبية الباهظة على الفرد والمجتمع والدولة، والتي تتطلب رؤية وتروي ورصد وحصر لأهم المنابع التي تغذي هذا الانحراف وتنميه.

إن هذا البحث يتناول برؤية هادئة معالم هذا الانحراف الفكري وماهيته بدءاً بتعريفه ومرورا بمظاهره وأسبابه وتوقفا عند آثاره وأخطاره المتعددة على الأمن الوطني بجوانبه المختلفة ، ليصل في النهاية إلى علاج وتعديل الفكر المنحرف من خلال طرق وأساليب فعالة مدعومة بتخصص الباحث وخبرته العلاجية إضافة إلى المشاهدة والملامسة للواقع الخليجي والعالمي.

ويقدم البحث في نهايته دراسة ميدانية على المجتمع الكويتي تثري الإطار النظري وتعضده بهدف الوصول والحصول على مؤشرات أولية واقعية عن مشكلة الانحراف الفكري من عينة قريبة التماثل للمجتمع الخليجي.


الفصـل الأول

الانحـراف الفـكــري

المفهوم والمعالم


مـقـدمة:

لكل شيء معلم يعلمه ويميزه عن غيره، ولكل ظاهرة حدود ومظاهر تحدد جوانبها وأبعادها. والانحراف الفكري كغيره من الظواهر له مفهوم وأشكال وأنماط متعددة كما أن له أسباباً تسهم في ظهوره. وفي هذا الفصل سوف يتم استعراض مفهوم الانحراف الفكري وبيان مظاهره وأنماطه، إضافة إلى الكشف عن أهم الأسباب التي تكمن خلف ظهوره.

1- أهـمية دراسة الانحراف الفكري

يتساءل البعض لماذا نهتم بدراسة الأفكار عند الأفراد طالما أن الهدف النهائي هو السلوك والفعل؟ والجواب: هو أن تغيير الأفكار والآراء والاتجاهات يزداد معه احتمال تغيير السلوك. وذلك ما يعتمد عليه المروجون في بحوث التسويق، وفي الدعاية السياسية للمرشحين للانتخابات وغير ذلك من أوجه النشاط.

وتعتبر الأفكار والاتجاهات منبأ جيداً عن السلوك، فالشخص الذي لديه اتجاهات إيجابية نحو الآخرين والرغبة في مساعدتهم والميل إلى العمل التطوعي فإننا نعتقد أن هذا الشخص سوف يسلك سلوكا إيجابياً إذا توافرت لديه الظروف المناسبة لهذه المواقف. وبالمقابل فالشخص الذي يحمل أفكاراً سلبية عن الآخرين، أو اتجاهات عدائية نحوهم، فإنه قد يسلك سلوكاً مؤذيا نحوهم.

وإضافة إلى أن الأفكار تتنبأ بالسلوك، فإنها تدفع السلوك وتوجهه نحو غايات مشروعة أو ممنوعة. ففي مجال الصناعة والاختراع على سبيل المثال، فإن كل اختراع مادي يكون مسبوقاً بفكرة وهاجة في عقل المخترع برزت وتبلورت حتى ظهرت إلى الوجود في شكل إنتاج ملموس. ومن جانب آخر فإن كل جريمة على الأرض مسبوقة – تفكيرا وزمنا – بفكرة شريرة في العقل. فالفكر الإجرامي والإرهابي هو نطفة الجريمة، أما الفعل الملموس للجريمة أو الإرهاب فهو الوليد لهذا الفكر. فالسيارة أو البناية المفخخة بالمواد المدمرة القاتلة هي انعكاس ونتاج أدمغة مفخخة بالشر والعدوان، ولذلك فإنه مهما اتسعت دائرة البحث عن عوامل وأسباب ودوافع العنف والإرهاب والعدوان فإن العامل الحاسم والسبب المؤثر، والدافع المسيطر في هذا الأمر هو الانحراف الفكري عن جادة الحق والصواب والأمر بالمعروف .

ويتمثل الانحراف الفكري في الأفكار الشريرة والشيطانية الموجهة لتدمير المجتمع وتمزيقه وهي أفكار متطرفة ومشوهة وعدائية ولها تأثير عنيف ومدمر على أمن المجتمع وسلامته.

إن هذه الأفكار الشريرة كانت ولا تزال هي الدافع للأعمال العدوانية، فهي التي تقف وراء سلوك جماعة "الحقيقة المطلقة" في اليابان. ووراء جماعات الانتحار الجماعي في أمريكا ، وهي التي تقف وراء التفجير والتدمير وقطع الرُووس وترويع النفوس في البلدان التي تواجه عمليات إرهابية مثل السعودية والكويت ومصر وقطر والعراق وغيرها.

وتشير الوقائع والأحداث أن الصراع بين الدول بدأ يأخذ طابعاً فكريا حيث اتجه كل طرف إلى غزو الأفكار وتحريفها عن طريق وسائل عديدة: ثقافية كانت أو إعلامية، بهدف طعن مبادئ وأخلاقيات الطرف الآخر وإضعاف قدراته، وتشتيت جهوده، وإثارة الفتن والشبهات والتشكيك فـــي مبادئه وقيمــه الثابتة التــي يؤمن بها، وإحلال مفاهيم وقيم وأفكار بديلة هزيلة ذات منطلقات وأهداف منحرفة تؤدي بشكل أو بآخر إلى الانهيار الفكري والاجتماعي لأفراد المجتمع واستهداف الأمن الوطني للدولة من أجل أهداف وغايات معينة .

ولقد أصبح الفكر المنحرف أشد أنواع الانحرافات وأكثرها خطورة والمعول الأخطر للنيل من استقرار المجتمع وأمنه بسبب آثاره السلبية على جوانب الأمن الوطني المختلفة كالأمن الاجتماعي والأمن الفكري والأمن السياسي والأمن الاقتصادي.

ومن هنا فمن الأهمية بمكان دراسة الانحراف الفكري بمظاهره وأشكاله ودوافعه وآثاره. وتكمن تلك الأهمية في ضرورة دراسة الانحراف الفكري وآثاره دراسة علمية هادفة هادئة بعيدة عن المثيرات الإعلامية والانفعالية وعن الغايات السياسية. وكذلك معرفة ديناميات هذا الانحراف الفكري وربطه بكل المتغيرات الشخصية والاجتماعية والسياسية والدينية التي تكمن خلفه.

ولعل من الأهمية التطبيقية لموضوع الانحراف الفكري والذي يسعى إليه هذا البحث هو تفعيل دور المؤسسات الاجتماعية بأنواعها، وتعاونها في بذل أقصى الجهود لمعالجة مشكلة الانحراف الفكري في دول مجلس التعاون الخليجي، ضمن إستراتيجية وقائية وعلاجية شاملة.

2- مفهوم الانحـراف الفـكــري

هناك شبه اتفاق بين المهتمين في العلوم الحديثة بأنه لا يمكن دراسة وفهم أي علم قبل تحديد مصطلحاته ، وتعريفها تعريفاً واضحاً ودقيقاً. فالتعريف المحدد لمصطلحات ومفاهيم الظاهرة أو المشكلة لا يُسهل فهمها فقط، بل يُعين على بناء أدوات لقياسها والتنبؤ بها والسيطرة عليها.

ويعد موضوع الانحراف الفكري من المواضيع التي ينقصها صياغة تعريفية واضحة ومحددة. ويسعى الباحثون إلى الوصول إلى تعريف محدد لمفهوم الانحراف الفكري، إلا أن هناك خلافاً في الاتفاق على تعريف قاطع ومحدد للمفهوم.

ولعل أول الصعوبات هي أن معنى مفهوم الانحراف يتفاوت بين العلوم الحديثة تفاوتا كبيرا. فالانحراف عموما في اللغة يعني: الميل عن الوسط و الاعتدال، وبهذا فإن كل ميل عما هو مألوف يعد انحرافا. ويعني الانحراف أيضا التباين عن خط أو معيار مقنن يرجع إليه .

فالانحراف في القانون مثلا: هو الخروج عن القانون وعدم الالتزام بأحكامه وقواعده وتشريعاته المتعارف عليها. والانحراف في علم الاجتماع: هو سلوك الفرد المخالف عن الجماعة التي يعيش فيها أو سلوك الجماعة المتعارض مع سلوكيات الجماعة الأم أي المجتمع. أما علم النفس: فالانحراف يكمن في السلوك الذي لا يتفق مع المعايير والقيم السائدة في المجتمع كالكذب أو السرقة أو العدوان حتى في الطب: فإن الحول وهو أحد العيوب البصرية يعني أن تكون أحد العينين في اتجاه مستقيم، بينما تنحرف العين الأخرى للداخل أو للخارج أو لأعلى أو لأسفل.

أما في مجال الأفكار فإن الوصول إلى تعريف قاطع ومحدد لمفهوم الانحراف الفكري تكتنفه بعض الصعوبات. ولعل صعوبة تحديد مفهوم الانحراف الفكري يكمن في عوامل متعددة. منها تداخل مفهوم الانحراف مع مفاهيم أو ظواهر أخرى قد تستخدم كمرادف له وتوحي بالمعنى نفسه مثال ذلك: التطرف والتشدد والجمود والتصلب والإرهاب. ومن العوامل كذلك أن الانحراف الفكري يحدث في جوانب متنوعة من الحياة مثال الانحراف الفكري السياسي، والانحراف الفكري الديني، والانحراف الفكري الإعلامي... الخ. ويبقى اختلاف الأفراد بشكل عام والباحثين بشكل خاص في نسبة الانحراف الفكري إلى مسببات واضحة وواحدة وراء عدم الاتفاق على تعريف محدد لمفهوم الانحراف الفكري. فأحيانا ينسب إلى عوامل نفسية، وأحيانا أخرى إلى عوامل اجتماعية، أو قد يعزى إلى الاثنين معا.ً

ولاشك أن مفهوم الانحراف الفكري يحتاج في الوقت الراهن على الأقل إلى محاولة لصياغة تعريف مبسط ومحدد وهو ما يسعى إليه هذا البحث في إطار اجتهاد يحتاج إلى مراجعة وإضافة. وعليه يمكن القول إن الانحراف الفكري هو انحراف الأفكار أو المفاهيم أو المدركات عن ما هو متفق عليه من معايير وقيم ومعتقدات سائدة في المجتمع. أو بصيغة أخرى هو الفكر الذي لا يلتزم بالقواعد الدينية والتقاليد والأعراف والنظم الاجتماعية السائدة والملزمة لأفراد المجتمع .

3- مـظاهر الانحـراف الفـكــري

للانحراف الفكري أشكال متعددة منها ما يمكن ملاحظته والتحقق منه، ومنها ما هو خفي غامض لا يمكن إدراكه واكتشافه. إلا أن الوقائع والأحداث والمعاملات تستطيع أن تكشف عن هذه المظاهر الخفية للانحراف الفكري. ولعل من أهم تلك المظاهر ما يلي:

أ- القدرة على التضليل والخداع

لا يكاد يمر يوم دون أن تنشر الصحف اليومية حوادث نصب واحتيال يقع فيها كثير من السذج والبسطاء وحتى المثقفون والمتعلمون. ويقوم النصابون والمحتالون أبطال هذه الحوادث باستعمال طرق وأساليب احتيالية تدليسية توهم الناس بالكشف عن المستقبل، والقدرة على قضاء الحاجات وعلاج الأمراض المستعصية وإحداث الأمل بحصول أرباح من مشاريع وهمية أو القدرة على الإضرار بالآخرين والسيطرة عليهم.

وتشير بعض الدراسات إلى أن انحراف أهل النصب والاحتيال يكمن في انحراف تفكيرهم قبل سلوكهم وإيمانهم بطرق ووسائل غير مشروعة للكسب والثراء السريع . ويتجلى الانحراف الفكري للمحتالين في الإضرار بالغير والاستيلاء على قلوبهم وعقولهم عن طريق الخداع والإقناع والتأثير وإيهامهم بوسائل إعلان خادعة وأساليب دعائية براقة.

إن القدرة على الإقناع تكون مقبولة إذا استخدمت وسائل واضحة ومشروعة تحترم عقل الفرد وإنسانيته. ولكن إقناع الآخرين عن طريق الكذب والتضليل والاحتيال من أجل الوصول إلى منفعة شخصية أو اقتصادية أو سياسية يعتبر مظهرا جليا من مظاهر انحراف الفكر والسلوك. ومثال ذلك ظهور بعض الأفراد المدعين للنبوة سواء كانوا مؤمنين بهذا الادعاء، أو بهدف النصب والشعوذة، و إيهام الكثير من الأتباع والمريدين بقدرتهم على النفع والضر.

وظاهرة ادعاء النبوة بدأت منذ ظهور الإسلام وكان من أبرز مدعيها مسيلمة الكذاب وسجاح التميمية والأسود العنسي. وهي ظاهرة تشير إلى انحراف فكري عند بعض الناس حيث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبر بأنه خاتم النبيين ولا نبي بعده وان من يدعي ذلك دجال كذاب ، ومع هذا النفي والنهي النبوي فانه لايزال بعض أصحاب الفكر المنحرف والسلوك المرضي يدعون من وقت إلى آخر بالنبوة و ينجحون بسبب قدرتهم على الإقناع والتأثير في استقطاب أتباع لهم من السذج من صفوة المجتمع بينهم بعض أساتذة جامعة و بعض أطباء وبعض معلمين يؤمنون بهم ويتبعونهم. إلا أنهم سرعان مايكتشف أمرهم وتقوم الشرطة باعتقالهم ومحاكمتهم.

إن من خصائص الفكر المنحرف استعمال اللغة الانفعالية في التأثير والتغيير في الآخرين. وحرصه على خلق الاقتناع في النفوس أكثر من حرصه على تشجيع التفكير الواضح. وآلا فما الذي يجعل أفرادا وجماعات تقتنع بالموت انتحارا بعد خطبة مؤثرة من زعيمها الروحي؟ . ومن الذي اقنع الشاب اليافع أن يلغم جسده بالقنابل الفتاكة لتقطع جسده أوصالا باسم الجهاد والاستشهاد؟.

لقد تبين من التحليل الاجتماعي المتعمق لممارسة العنف والتطرف في المملكة العربية السعودية حسب ما نشرته وزارة الداخلية من معلومات عن بعض من قبض عليهم من المطلوبين أمنيا في حوادث التفجيرات، وحسب اعترافاتهم في الأشرطة التي عثر عليها رجال الأمن ، أن هناك خصائص مشتركة تجمع هؤلاء الشباب الذين يحملون الفكر المتطرف والمتسم بروح التدمير والتخريب كان من أهما القابلية للإيحاء.

فقد تبين من الاعترافات أنهم استقوا الكثير من المعلومات من بعض الرموز الدينية خارج الوطن دون مناقشة أو تمحيص، وإنما أخذوا هذه الأفكار كمسلمات غير قابلة للنقاش .

ب- تشويه الحقائق

يتسم الفكر المنحرف بقدرته على قلب المفاهيم وتشويه الحقائق وطمسها، وتقديم أدلة وبراهين غير كافية أو مناقضة للواقع، و استعمال الكلمات بمعان مُبهمة غير محددة أو بمعان متقلبة ومختلفة .

وتشويه الحقائق لدى الفكر المنحرف تكمن في الرفض القاطع للحقائق والأدلة عن طريق التحريف والتشويه والتسفيه والقدرة على خلق الأكاذيب، إضافة إلى تكذيب الآخرين وعدم الثقة فيهم، والميل إلى التحريض والتآمر عليهم عن طريق إخفاء الحقائق والتشكيك فيها.

ومن أمثلة تشويه الحقائق ما يزعمه ما يسمى "بتنظيم القاعدة في الجزيرة العربية" من أن قتاله موجه نحو الصليبية والصهيونية بسبب حربهما ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان. فيورد التنظيم ضمن هذا التبرير أسماء فلسطين والعراق وغوانتانامو والشيشان وأفغانستان والفلبين وكشمير. ومن جانب آخر إعلان التنظيم باستمرار "ارتداد الحكومة السعودية وعمالتها" لسماحها بوجود قوات أمريكية على أراضيها مما يوجب قتالها باعتبارها قواعد لضرب المسلمين. ورغم أن الحكومة السعودية أعلنت سحب القوات الأمريكية من قواعدها العسكرية في السعودية وعرضت صورا للانسحاب، إلا أن هذا التيار يرفض ذلك ويعتبر القوات مازالت في السعودية ليصبح بالتالي المطالبة بإخراج القوات الأمريكية شعار تحريض لاستمرار العنف، وهو ما تشير إليه مجلة "صوت الجهاد" الناطقة باسم التنظيم من دعواتها المتكررة إلى تحريض الشباب لمواجهة السلطة والبدء بعمل جهادي، وسرد العدد من القصص والعمليات ومواجهة السلطة والهرب منها بسلام.

ومن مظاهر تشويه الحقائق في الفكر المنحرف تسمية الأشياء بغير أسمائها، فالعزلة والانسحاب تسمى هجرة و تفكير، والقتل والإفساد يزعمونه جهاداً، والانتحار في رأيهم شهادة . ولعل المتتبع على سبيل المثال لأدبيات "تنظيم القاعدة" يلاحظ هذا الجانب في تشويه المسميات وتحريف المقاصد. فيسمون المملكة العربية السعودية بأرض الحرمين، والشعب السعودي بشعب الجزيرة العربية، والحكام "بالعملاء" ، والمفجرين "بالمجاهدين"، وحوادث الاعتداء بالغزوات مثل غزوة نيويورك وغزوة جـدة وغيرها.

ومن الأمثلة الحية الأخرى على كيفية تشويه الحقائق لدى الفكر المنحرف، مكوث الرئيس العراقي السابق صدام حسين أحدى عشر سنة (1991 – 2002) وهو ينكر حقيقة هزيمته أمام قوات التحالف التي أخرجته من الكويت بعد أن احتلها عام 1990م ، وفرض هذا الواقع على شعبه وإطلاقه على تلك المعركة اسم أم المعارك، كما حدد لها يوما وطنيا يحتفل الشعب العراقي فيه بذلك النصر الزائف.

ج- تبرير الغايات

يتحقق التصور الشرعي من التكليف بامتثال أوامر الشارع واجتناب نواهيه، سواء نوى عند الامتثال الوصول إلى تلك المقاصد أو لم ينو، ولهذا كان عمله صحيحا في الحالتين، ولكن ليس له أن يتوجه بالتكليف إلى غير ما شرعت له بحال، فمثلا من أدى الصلاة المفروضة ليحصل له ما شرعت لجله، من تهذيب النفس وإبعادها عن الفواحش في الدنيا، ونيل الثواب في الآخرة فعمله صحيح موصل إلى الغرض المقصود شرعا. أما من صلى ليخدع الناس، ويحملهم على الاعتراف بصلاحه وتقواه مثلا فصلاته مردودة عليه، وغير موصلة إلى المقصود الشرعي منها. ذلك لأن التكاليف إنما وضعت لدرء المفاسد وجلب المصالح، فإذا قصد المكلف غير ذلك كان بقصده مناقضا لغرض الشارع .

إن الفكر الإسلامي الصحيح لا يعاني خلطا بين الغايات والوسائل، بل أن أهدافه واضحة محددة تتحقق من خلال وسائل معلنة ومشروعة، فهو فكر سوي لا يعرف الغدر أو الغش أو المخادعة. فهو فكر يأنف من صفات الغدر والكذب مهما جرت عليه هذه الصفات من منافع ومهما حققت له من مكاسب، ذلك أن هدى الإسلام يعد أصحاب هذه الصفات من المنافقين الذين وصفهم القرآن " بالطبع على قلوبهم " الذين يميلون إلى الدفاع عن أنفسهم بتبرير أفعالهم.

ولكن عندما ينحرف الفكر ويعوج فأنه يركب أي وسيلة للوصول إلى غايته، فيتبنى مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وهو مبدأ ارتبط باسم ميكافيلي(*) لعدم تورعه عن تقديم النصح للحاكم باستخدام أية وسيلة متاحة في الصراع على السلطة.

ومن أمثلة انحراف الفكر في تبرير الغايات والمقاصد تنادي بعض المنظمات الفلسطينية بعد حرب 1967م، بشعار " تحرير القدس يبدأ من تحرير عمان " أو أي عاصمة أخرى. ولقد تكرر هذا الشعار عندما احتل العراق دولة الكويت عام 1990م وبرر النظام العراقي ذلك الاحتلال أنه من أجل هدف أسمى و أعلى وهو تحرير الأراضي العربية المحتلة.

ومن الأمثلة الأخرى المعاصرة التي تعكس تبرير الغايات في الفكر المنحرف ما تقوم به الجماعات المتطرفة من تفجير وتدمير وقتل الإنسان في أي مكان وزمان حتى في الأشهر الحرم فهم يؤكدون بأن ".....كثير من العمليات التي يقوم بها المجاهدون تصادف الشهر الحرام، والذي لا يُشكُّ فيه أنَّ عمليات المجاهدين اليوم مشروعةٌ لا خلاف فيها ، فهي من جهاد الدفع الذي هو قتال اضطرار لا يتعلق بشهر حرام ولا غيره." .

د - التبسيط المُخل:

ينظر التفكير السوي إلى الأحداث والقضايا نظرة منطقية، جادة، متزنة دون تعقيد مضل أو تبسيط مخل لكي يقف على الأسباب والنتائج. اما التفكير المنحرف فانه يعالج الأمور والأشياء بنظرة غير متوازنة، فينظر إلى توافه الأمور نظرة جدية و صرامة ويرى عظائم الأحداث بسطحية وتسفيه.

وفي واقعة تدل على هذا النمط الفكري السطحي المبسط للأمور تبسيطا مخلا رغم أهمية الأمر وخطورته، مارواه الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن ابن أبي نعيم قال: جاء رجل إلى أبي عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض ؟ فقال له: من أنت ؟ قال من أهل العراق. قال: ها ! انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا أبن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . (يعني الحسين رضي الله عنه ) وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هما ريحانتاي في الدنيا" .

ويزخر التاريخ أيضا بأمثلة للانحراف الفكري المتسم بالبساطة المخلة في قياس الأمور وإدراكها. من أبرز تلك الأمثلة ما عرف عن فكر وسلوك الخوارج واتصافهم بالغلظة والجفوة والعنف على المسلمين، فاستحلوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم في حين انهم يرحمون أعداء الإسلام من أهل الأوثان. وقد أخبر عنهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوصفهم بأنهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان) .

ولقد سجل التاريخ صحائف سوداء في هذا السبيل من ذلك عندما لقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب ، فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثناه؟ قال: نعم، سمعت أبي يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول . قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم. فقدموه على شفير النهر، فضربوا عنقه، فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل كثير الحمل بالرطب بنهر فسقطت رطبة فأخذها أحدهم، فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: أخذتها بغير حقها، وبغير ثمنها، فلفظها من فيه. واخترط أحدهم سيفه، وأخذ يهزه، فمر به خنزير لأهل الذمة، فضربه به، يجربه فيه. فقالوا: هذا فساد في الأرض، فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه .

ولقد ظهر هذا الفكر المنحرف في تبسيطه المخل للقضايا على يد بعض جماعات التطرف المعاصرة، حيث نادى بعضها جهلا بالجهاد الإسلامي والدعوة إلى قتل غير المسلمين أينما كانوا وعلى أي صفة وجدوا، وإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأن قتلهم هو وسيلة لإخراجهم دون اعتبار لحرمة الأنفس المعصومة أو المعاهدين والمستأمنين في بلاد المسلمين(*) .

وبلغ الانحراف الفكري المتطرف ذروته في التبسيط لدى أفراد من هذه الجماعات من المطلوبين أمنيا في أحداث التفجيرات الأخيرة في كل من الرياض والكويت عندما عثرت قوات الأمن على مذكرات وبحوث شرعية لأفراد التنظيمات الإرهابية ذات عناوين متطرفة مثل: "الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث" و "تحريض المجاهدين الأبطال على إحياء سنة الاغتيال " و "تطمين النفوس في جواز قطع الرؤوس"، وكلها كما يبدو انعكاس لاتجاهات وتنظيرات فكرية تسير نحو الإباحة والجواز والتحليل لما هو عظيم الحرمة مثل: القتل والاغتيال وقطع الروؤس.

يتبع >
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al7afe.ahlamontada.net
المدير العام
Admin
Admin
avatar

المملكة العربية السعوية
رقم العضوية : 1
رسالة sms
نقاط : 2488
ذكر
عدد المساهمات : 952
الجدي
تاريخ التسجيل : 30/12/2009

بطاقة الشخصية
الورقة الشخصية:
الورقة الشخصية
al7afe

مُساهمةموضوع: رد: الانحراف الفكـري وأثره على الأمن الوطنـي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة   الخميس يونيو 24, 2010 9:32 pm


هـ- الميل إلى الخلاف والصراع
اقتضت حكمة الله تعالى أن تختلف آراء الناس وأفكارهم في أمور الحياة، وسبب ذلك أنهم خلقوا أساسا مختلفين في الأمزجة والميول والرغبات، وهذه حقيقة لايدركها إلا أصحاب العقول السليمة. والإنسان العاقل هو الذي يؤمن ويسلم بالاختلافات بين الآراء والاتجاهات لدى الناس حول مختلف أمور الدين والدنيا. وفي ظل هذا الأيمان تجده يتجه إلى البحث عن نقاط التوافق و الائتلاف ويبتعد ما أمكن عن مثيرات النفور والاختلاف.
إن الفكر السـوي يُسلم بتعدد الأبعاد والرؤى ويعمل على التواصل مع الآخرين والانفتاح على العالم، والإفادة من خبراته وأفكاره دون صراع أو تسفيه، في الوقت الذي ينزع فيه الفكر المنحرف إلى الخلاف والصدام مع الآخرين عند ظهور طيف أي خلاف.
ويقدم الماضي والحاضر أمثلة على مظاهر الفكر المنحرف المتسم بالخلاف والصراع. ففي الماضي على سبيل المثال برز الفكر الماركسي الذي يؤمن بحتمية الصراع بين الأقلية المالكة (الرأسمالية) وبين الأغلبية التي لا تملك (العمال) ووفقا لهذا الفكر فإن هذا الصراع سينتهي عن طريق الثورات الاجتماعية التي تقودها الأغلبية الخادمة للقضاء على الأقلية المخدومة.
وقد برز فكر الخلاف والصراع مرة أخرى في العصر الحديث عندما أعلن عالم السياسة الأمريكي صامويل هانتنجتون Samuel P. Huntington في كتابه "صدام الحضارات" بأن العالم على حافة صدام حضارات بين جماعات ثقافية رئيسية من بينها شرق آسيا والإسلام والغرب. ويرى: أن هذه القوى محصورة داخل تضاد فيما بينها لا فكاك منه بسبب الاختلافات التي لا يمكن التوفيق بينها من حيث القيم والنظرة إلى العالم، مما ينتج عنه فوارق مجتمعة كبيرة جدا تؤدي مستقبلا إلى نزاعات ثقافية واقتصادية وسياسية بين تلك المجتمعــات ويتنبأ هانتنجتون: بأن الصراع حتمي لأن النفوذ النسبي للغرب آخذ في الانخفاض بسبب التقدم الاقتصادي في الشرق الأقصى والزيادة السكانية للإسلام وعليه فإن مستقبل العالم لن يكون آمنا للديمقراطية وللأسواق .
وقد برزت النزعة إلى الخلاف والصراع في فكر "تنظيم القاعدة" وزعيمه أسامة بن لادن حين جاء في كلمته التي ألقاها عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، بان العالم قد تمايز إلى فسطاطين: كفر وإيمان.
و- التناقض الفكري - السلوكي:
يعد الاتساق الفكري – السلوكي مؤشرا للشخصية السوية حيث يبرز الاتساق بين القول والعمل، فمن يحترم القوانين هو أول من يحافظ عليها ويطيعها، ومن يحذر من التدخين هو من الكارهين له. وفي المقابل فان التناقض الفكري السلوكي من سمات الشخصية المرضية. وقد كان هذا التناقض شأن المنافقين في صدر الإسلام حيث وصف الله تعالى شخصية المنافقين بعدم الثبات في الفكر والسلوك مثل إخفاء مشاعر الكراهية للمسلمين وإظهار الإيمان إذا وجدوا بين بينهم ، والإكثار من الحلف لأجل تصديقهم. كما إنهم يؤدون العبادات رياء وعن غير اقتناع وإذا قاموا للصلاة قاموا كسالى.
ومن التناقض الفكري- السلوكي أن يدعو الإنسان غيره إلى الخير ولا يفعله وينهى غيره عن المنكر ويفعله.
ويتمثل الانحراف الفكري في التناقض الصارخ بين ما يعلن وبين ما يسر. وهو ما عبر عنه حديث النبي ـ صلى الله عليه وسـلم ـ " لأعلمن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فجعلها الله هباء منثورا " قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلهم لنا أن نكون منهم ونحن لا نعلم. " أما أنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذونه – ولكـنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها" .
وقد كان الرسول ـ صلى الله عليه وسـلم ـ أعلى الناس صوتا ومعارضة ضد الخوارج الذين كانوا على منهج عقائدي منحرف رغم شهادته لهم بكم العبادة والتي لم تغن عنهم شيئا بسبب بعدهم عن المنهج الحق وتعارض سلوكهم مع أفكارهم، فقد قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: " يخرج قوم من أمتي، يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم بقراءتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية " .
ومن أمثلة الفكر المنحرف في تناقضه الفكري والسلوكي عندما نجد من يدعي حب الوطن والاعتزاز بالانتماء إليه والتضحية في سبيله، ثم تراه يفجر مبانيه ويدمر مؤسساته ويروع أهله والمقيمين على أرضه.
ز- أحادية العقلية (عقلية البعد الواحد)
أحادية العقلية هي مجموعة من الخصائص المعرفية والمزاجية التي تشكل سلوكا متسقا يتعارض مع قبول التنوع ويرفض البدائل ويتجنب الجديد ويتحرك وفق مسارات صارمة ويعزل صاحب هذه العقلية نفسه عن مجتمعه ويكرس نفسه لأهداف ضيقة ومحددة. وتتوافق هذه الخاصية مع خصائص الفكر المنحرف من حيث إنه لا يبحث عن أساليب تفكير جديدة، ولا يتوقف عند تنوع الاختيارات المتاحة. كما أن الفكر المنحرف يتناقض مع ثراء الحياة الإنسانية بما تتضمنه من تنوع وعمق وتفاعل وخصوبة .
والفكر المنحرف كذلك يحيد بصاحبه عن المنهج الفكري السليم، ويسير به نحو متاهات مغلقة فهو ذو عقلية واحدة لا يرى في الواقع إلا بعد واحد من أبعاد الحياة المختلفة. فهو كالفأر الذي يتدرب على السير في متاهة مغلقة حيث ينطلق من بدايتها إلى نهايتها بسرعة ودقة دون أن يبحث عن مسارات جديدة أو يتوقف عند تنوع الاختيارات، فهو ينطلق بتلقائية ولا يحتاج لتغيير اتجاهه فهو لا يخطئ الطريق ولا يبطئ السير إذ لا يرى إلا نفقا واحدا متصلا يؤدي به إلى هدفه.
إن أحادية العقلية أو أحادية البعد الواحد لا ترى إلا نصف الحقيقة وتحجب عن صاحبها النصف الآخر، فهي بذلك معوق أساسي للشخصية والتفكير. وصاحب هذه العقلية لا يستطيع أن يدرك ثراء البدائل والتنوع والتباين. فهو يتبع خطا أحاديا متسقا ومتصلبا في عادات العمل أو أساليب التفكير أو في الابتكار والاتجاهات حول أمور الحياة المختلفة. وهذا النمط الفكري لا يجدي معه حوار أو نقاش فهو صعب التغيير والتعديل، لا يستطيع أن يدرك الدرجة الرمادية بين الأبيض والأسود فهو فاقد للمرونة والتسامح والتقبل.
ح - أحادية الرؤية (عقلية الرؤية الواحدة)
من مظاهر الانحراف الفكري الارتباط برؤية منغلقة إزاء القضايا والمشكلات سواء على المستوى الشخصي أو العام، حيث العجز عن استيعاب ما يدور في العالم من تحولات بالغة الحدة وكيفية مواجهة هذا السيل المتدفق من تعددية في الفهم والاتجاهات والنماذج. وهو من أنواع الانغلاق الفكري وما يتضمنه من نظرة اقصائية من حيث استبعادها للرأي الآخر بمختلف الطرق والوسائل. بينما يتميز الانفتاح الفكري بنظرة تعايشيه من حيث إيمانها بضرورة التعايش مع الآخر.
إن استبعاد الآخر خاصية أصيلة من خصائص الرؤية الأحادية أو المغلقة باعتبار إن الذي يتصور امتلاكه وحده للحقيقة المطلقة يتعذر عليه التعايش مع الآخر .
وفي مقابل الرؤية المنغلقة هناك الرؤية المنفتحة التعددية التي ترى في التعددية مصدر ثراء واقتراباً للوصول إلى الحقيقة بدلا من الضيق بالرأي المخالف إلى الحد الذي يدعو إلى استبعاده بل تصفيته.
ط - النزعة إلى العداء والانتقام
الفكر المنحرف عادة ما يكون خشناً فظاً ومجادلاً وذا نزعة إلى الصدام مع الفكر الآخر. وعندما تجتمع الأفكار المنحرفة مع العدوانية والتقلب والاندفاعية فإن احتمال ظهور العدوان والسلوك العنيف المضاد للمجتمع تبقى مرتفعه. وتشهد كثير من الوقائع بتكرار فرض أصحاب الانحراف الفكري لأفكارهم وتوجهاتهم بالقوة دون الاهتمام باقتناع الطرف الآخر.
ويمكن القول أن كل جريمة (إرادية) على الأرض تسبقها أفكار شريرة في الدماغ فالسيارات أو البنايات المفخخة نتيجة تلقائية لأدمغة مفخخة في صور التفجير والتدمير وأفكار مصبوغة بألوان الكراهية والانتقام .
إن الانحراف الفكري يؤمن بأن لا سبيل إلى توصيل رسالته وإثبات وجوده إلا من خلال العنف، وقد يبدأ الفكر المنحرف بمفاهيم براقة مقبولة ولكنه سرعان ما ينحرف ويتبنى مسالك شريرة مدمرة للفرد والمجتمع. ومثال ذلك عندما بدأت جماعات الإرهاب والتطرف في بعض الدول العربية الإسلامية بمفاهيم مقبولة مثل الأمر بالمعروف وإنكار المنكر ونصح الحاكم وإحياء الجهاد ثم انتهت إلى الخطف والقتل والتفجير والتدمير.
وعادة ما يستخدم الفكر المنحرف في خطابه مفردات التهديد والوعيد والانتقام المقرونة بالثقة المفرطة بالذات. ومن أمثلة تلك الخطابات ما جاء في النشرات الإعلامية لتنظيم القاعدة على سبيل المثال بعد أن أحبطت قوات الأمن السعودية محاولة لتفجير أحد المباني في العاصمة الرياض (ونقول لعموم المسلمين، ابشروا بما يسركم في دينكم ودنياكم وأن وقفتكم الشجاعة مع المجاهدين لن تضيع بإذن الله. وسوف ترون منا ما يسركم يوم أن ننتقم لكم مما ظلمكم. فابشروا وأملوا. فإن قوة المجاهدين لا تقهر، وحزبهم لا يهزم وكان بالإمكان تكبيدهم خسائر فادحة، وتلقينهم دروسا محكمة ولكننا نستأني بهم، لعلهم يتوبوا ويراجعوا أنفسهم.) .
ي - الرفـض:
قد يكون الرفض المبني على مبررات غير موضوعية أو منطقية للمواقف والأحداث دليل اعوجاج فكري عن الحق والمنهج السليم. فالحكم الاستبدادي الرافض للمشاركة الشعبية، أو الاشتراكية الرافضة لحقوق الفرد وملكيته نماذج حية للفكر المنحرف المتسم بالرفض والمعارضة. وقد يرفض الإنسان الحكمة والرأي الصائب عندما يأتيان من مصدر غير محبوب له. إلا أن رفض الحق مع وضوحه من مظاهر الانحراف الفكري خاصة إذا كان مدفوعاً بعوامل الكبر والاستعلاء والاعتزاز بالإثم والخوف من الظهور بمظهر المخطئ.
4 - أسباب الانحـراف الفـكــري
قد يتعدد شكل الانحراف الفكري و حجمه و اتجاهه إلا أن العامل الحاسم في كل ذلك هو أسباب هذا الانحراف ودوافعه، وهي دوافع متعددة ومتنوعة منها ما هو فكري في الأساس ومنها ما هو نفسي واجتماعي وبعضها الآخر سياسي واقتصادي. وسوف نشير إلى أهم هذه الأسباب والتي قد تساهم بشكل أكثر من غيرها في تكوين الفكر المنحرف وانتشاره. ومن أهم تلك الأسباب ما يلي:
أ- الغـــلو والتطرف
يظهر الانحراف الفكري أحيانا في درجات متطرفة في الكم والكيف. ويشير هذا التطرف إلى اضطراب في مستوى ومحتوى التفكير لدى الأفراد والجماعات نحو الأشياء والآخرين. والتطرف أو الغلو هو مجاوزة الحد في كل شيء، فإذا كانت في السعر فهي غلاء، وإذا كانت في المكانة فهي غـلو، وإذا كان في الفكر فهي انحراف.
ولعل السـؤال هو كيف يكون الغلو والتطرف سببا في انحراف الفكر عن الحق والصواب ؟. والجواب هو أن الغلو والتطرف يدفع إلى عدم الاعتراف بالرأي الآخر وبحقه في الخلاف إضافة إلى مصادرة اجتهاداته في المسائل، أو القضـايا الخلافية والمحتملة. "ويزداد الأمر خطورة حين يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة، وهنا قد لا تكون العصا الغليظة من حديد أو خشب فهناك الاتهام بالابتداع أو الاستهتار بالدين، أو الاتهام بالكفر أو المروق من الدين، وهذا إرهاب فكري أشد تخويفاً وتهديداً من الإرهاب الحسي" .
والغلو والتطرف في التفكير سبب للانحراف عن السواء، ويدفع هذا الغلو في التفكير إلى مسالك متعددة منها: سوء الظن بالآخرين والحكم السلبي المسبق والحاد على ما يحملونه من أفكار أو آراء، وتجاوز الحدود في الإنكار على المختلف معه، ومجانبة التدرج المنطقي في الأمور، والوقوف على ما يمكن تجاوزه، والميل إلى أصعب الحلول وأبعدها مع وجود الأسهل والأقرب.
والغلو والتطرف يؤدي إلى انحراف فكري عقائدي فقد وجد انحراف في فهم النصوص الشرعية عند بعض الفئات من أبناء الأمة الإسلامية الذين اشتطوا في فهم النصوص الشرعية ففسروها على غير وجهها الصحيح , وهذا الأمر جعلهم يتشددون، ويغالون في ذلك فيحكمون بالفسق والضلال على من خالفهم حتى ولو كان من كبار الصحابة . الأمر الذي حدا بهم إلى التكفير الذي قادهم بعد ذلك إلى قتل اثنين منهم وهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما .
ومن جانب آخر , فإن الغلو والتطرف يؤدي إلى انحراف فكري عن الفهم الصحيح للأمور , ومن أمثلة ذلك عدم فهم القرآن حيث وصف الرسول - صلى الله عليه وسلم -الخوارج بعدم فهم القرآن وان قراءتهم له لا تتجاوز حناجرهم ، أي أنهم لا يفهمون معانيه ومقاصده ولا يتدبرون آياته ، وعدم فهمهم للقرآن يجعلهم يأخـذون آيات نزلــت في الكفار، فيحملونها على المسلمين ويتبعون متشابهات القرآن كاستشهادهم على إبطال التحكيم بقول الله سبحانه " إن الحكم إلا لله" .
ولعل من مؤشرات التفكير المعتدل حُسن عرض الأمور والأفكار والرفق في طلب الحاجات والأشياء من الآخرين. إلا أن هذا الحال قد يختلف عندما يسود الغلو والتطرف, فينقلب الفكر المعتدل إلى فكر أعوج، والسلوك السوي إلى سلوك فظ غليظ يفر الناس من صاحبه ويتجنبوه. وهذا ما حذر الله -عز وجل- رسوله منه في قوله "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك" . و هذه الغضاضة في السلوك والاعوجاج في التفكير هو ما أقدم عليه ذي الخويصرة التميمي في اتهامه للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعدم العدل. فمن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال " بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم قسما , أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم , فقال يا رسول الله اعدل. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " ويلك ومن يعدل إن لم أعدل , قد خبت وخسرت إن لم أعدل" . فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه : يا رسول الله أذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم , يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم , يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"
ويتسبب الغلو والتطرف في السقوط في هاوية التفكير وهو انحراف فكري آخر في تصنيف الناس والحكم عليهم. ويبلغ هذا الانحراف في إسقاط عصمة الآخرين واستباحة دمائهم وأموالهم واتهام الناس بالخروج عن الإسلام أو عدم الدخول فيه أصلا، وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام والذين كانوا من أشد الناس تمسكا بالشعائر التعبدية صياما وقياما وتلاوة للقرآن الكريم ولكنهم أتوا من فساد الفكر لا من فساد الضمير
وفي ظل الغلو والتطرف يبرز الانحراف الفكري في فهم الطبيعة الإنسانية وهو ما يتعارض مع سماحة الشريعة الإسلامية، وإدراكها لقدرة الإنسان ووسعه ومواطن قوته وضعفه. فجاءت الرخص تخفيفًا للعباد وتيسيراً عليهم. وقد نهى الشارع أن يغلو الإنسان فيشدد على نفسه.
فقال عز وجل { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (77) المائدة.

ويعد الإسراف في التحريم بغير دليل انحراف فكري مرجعه الغلو والتطرف. وقد جاءت نصوص قرآنية متعددة تستنكر تحريم ما لم يحرمه الله من زينة الله التي أخرجها لعباده. ومن تلك النصوص.
قوله تعالى: { يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } (31) الاعراف .
وقوله تعالى:{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } (32) سورة الاعراف.
وقوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (87) الاعراف .
إن هذا التحريم للحلال هو أصل من أصول الضلال. حيث تحريم ما لم يحرمه الله , وهو غلو واعتداء لقوله تعالى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (190) البقرة
ب- سوء التنشئة الاجتماعية
تعد الأسرة النواة الأساسية للمجتمع والتي في أحضانها ينعم الطفل بالعناية والرعاية والحب والأمان ، فهي المكان الطبيعي الذي يحتضن الفرد في طفولته وحتى شبابه فهي كالجسر الذي تعبر عليه خصائص الثقافة لأية أمة إلى أفرادها في حين أن أساليب المعاملة والتنشئة الوالدية هي تلك العربة التي تسير على هذا الجسر وتنتقل القيم والاتجاهات والمعتقدات للأفراد.
وتعتبر أساليب المعاملة الوالدية التي يتعامل بها الطفل ذات تأثير بالغ في تكوين شخصيته في المستقبل ذلك لأن الطفل في فترة السنوات الأولى يتعلم الكثير من الخبرات التي تساعده على النمو السليم، فإذا عومل معاملة سليمة تتوافر فيها الاحترام والتقدير والعطف استطاع أن ينمو نموا سليما صحيحا يتميز بالقدرة على التكيف مع نفسه ومع مجتمعه. أما إذا كان يعيش في جو يسوده العداء والإحباط وعدم الوفاء بالوعود فإن كل ذلك يؤدي إلى خلق مشاعر القلق وعدم الطمأنينة. ويرى بعض الباحثين أن هذه الأساليب تنقسم إلى فئتين: موجبة وسالبة، تدور الأولى الموجبة حول التقبل، في حين أن الرفض هو محور الأساليب السالبة.
وتعتبر الأساليب الوالدية السلبية مهيأة للاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية والفكرية لدى الأبناء . ولعل من أخطر الأساليب الوالدية السلبية الرفض والقسوة والتدليل الزائد حيث ضيق صدر الأباء والأمهات من أبنائهم ، ومعاملتهم كالغرباء ونقد الوالدين الدائم لتصرفات أبنائهم والعقاب لأتفه الأسباب وعدم التغافل عن الأخطاء .
وتشير كثير من البحوث إن سوء المعاملة الو الدية للأبناء تحدث شروخاً وشقوقاً وضعفاً في جوانب شخصية الأبناء يظهر انعكاسها في الفكر والسلوك، وقد يؤدي بالابن إلى الخوف أو الانتحار أو مقاتلة الوالدين أو إلى ترك البيت مما يعانيه من القسوة والمعاملة الأليمة . وقد وجد أن معظم المشاركين في أحداث التفجيرات التي حدثت في المملكة العربية السعودية والكويت هم ممن انفصلوا عن أهلهم وتمردوا عليهم وخرجوا من بيوتهم منذ فترة طويلة .
وقد تبين من خلال نتائج الدراسات الميدانية التي أجريت في الإصلاحيات ودور الملاحظة في المملكة العربية السعودية على سبيل المثال أن نمط المعاملة الشائعة لمرتكب الانحرافات والجرائم يقع بين طرفي نقيض، فأما معاملة تتسم بالقسوة والشدة أو معاملة تتسم بالتدليل وعدم الاهتمام، فقد ذكرت نتائج بحث عن متعاطي المخدرات أن (33.2%) من المتعاطين كان آباؤهم يعاملونهم بصرامة وحزم . وذكرت دراسة أخرى متخصصة بجرائم النساء في سجون الرياض وجدة والدمام أن (60%) من النساء المحكوم عليهن يعاملن أبناءهن بقسوة ويجبرونهن على الطاعة حتى ولو كان الأمر غير مقبول .
وإضافة إلى سوء المعاملة الوالدية تجاه الأبناء فان المشكلات الأسرية كالطلاق والغياب الطويل للأب عن البيت المعاناة الاقتصادية للأسرة لها علاقة في انحرافات الأبناء الفكرية والسلوكية . ولعل من الحق القول أن الابن عندما يفقد النموذج الأبوي و البيئة الأسرية الآمنة فإنه سيبحث عن نموذج أو بيئة أخرى في الخارج.
ج- هامشية المؤسسات الاجتماعية
تعتبر المؤسسات الاجتماعية مصدرا هاما من مصادر الاتجــاهات والمعلومات والمعتقدات. وأول هذه المؤسسات هي الأسرة فهي المحضن الأول للإنسان ، والذي فيه يولد وينشا ويكتسب المثل والأخلاق والقيم. وتعتبر المدرسة المؤسسة الاجتماعية الثانية التي يبدأ اتصالنا بها في مرحلة مبكرة من الحياة، وبالإضافة إلى المدرسة هناك المؤسسة الدينية ويمثلها المسجد وماله من مكانة عظيمة في الإسلام باعتباره رمز الأمن والاطمئنان وتعلم العلم والتفقه في الدين والدنيا، ومجمع الأمة في الجمعة والجماعة، ثم وسائل الاتصال الجماهيرية من صحافة وإذاعــة وتلفزيون .
وتسعى بعض المؤسسات الاجتماعية إلى تحقيق أهدافها التربوية والاجتماعية والروحية. ولكن ليس كل تلك الموئسات تنجح في وظيفتها وأداء دورها المطلوب. فقد تسهم بعضها كالمدرسة مثلا بشكل أو بآخر في نشوء الانحراف السلوكي أو الـفكري لدى الفـرد. إذ تعتبر سوء معاملة بعض المدرسين لتلاميذهم أحد عوامل النفور من المدرسة. ويلعب تساهل المدرسة نحو غياب الطلاب أو ضعف العلاقة بين البيت والمدرسة دورا كبيرا في انحراف الطلاب ودفعهم إلى السلوك العدواني مثل التخريب والسرقة والعنف.
ومن جانب آخر ، فان عدم تفعيل دور المسجد يسهم في تنمية الفكر المنحرف المتطرف . وعندما يطغى الجانب الانفعالي في الخطاب الديني على حساب الجانب العلمي العقلي، إضافة إلى التركيز على أفضل ما في الماضي وأسوأ ما فـي الحاضر ، فإن من شأن هذا أن يشيع جوا من اليأس والإحباط والرغبة في إحداث التغيير بطرق بائسة ويائسة .
كما أن انشغال الخطباء والوعاظ بالمسائل الشكلية شكل ضرراً للإسلام وإن لم يقصدوا ذلك حيث أصبحوا سببا في صد الناس عن المساجد وإبعادهم عنها بسبب جهلهم، وعدم نفعهم للمسلمين بما يطرحون من أفكار فجة، ومفاهيم بعيدة عن آلام وآمال الناس وتطورات الحياة خصوصا بالنسبة للشباب اليافع الذي يتطلع إلى المفاهيم التي تملا نفسه بالرضا، والقناعة لا المفاهيم البائدة المشككة بجدارة الإسلام الحنيف، وقدرته على مسايرة تطورات الحياة .
د - بيئات التوتر والصراع
لكل شيء مقومات يقوم عليها، وبيئة ينمو فيها، ومناخ ينشأ عليه ويعيش فيه. وهذه المقومات من بيئة ومناخ هي التي تهيئ الأسباب لحدوث الأشياء سواء كان الحدث يتعلق بالجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان. ويمكن القول: أن الأحداث الاجتماعية والسياسية والفكرية تولد وتحيى من خلال بيئة ومناخ مناسب ، وقد تكون هذه البيئات جماعات أو مناطق أو كيانات دولية مستقلة. ولذا يؤمن الباحثون بأن الإبداع والاختراع و الجريمة والصراع ما هي إلا أفكار تنشا في بيئات معينة و تضعف أو قد تموت في بيئات أخرى . وقد أشارت كثير من الدراسات إلى دور البيئة على الإنسان وتأثيرها في فكره وسلوكه. وتعتبر دراسات الفيلسوف الفرنسي "مونسكيو" في علم الاجتماع القانوني في القرن الثامن عشر فاتحة هذه الدراسات الجغرافية، ففي كتابه "روح القوانين" أكد أن للمناخ وطبوغرافية الأرض تأثيرا مباشرا في كل الأفراد، ومن هنا بدأت بعض المحاولات العلمية التي هدفت إلى ربط الجريمة بظروف أو وقائع جغرافية معينة بعلاقة سببية. وأخذ الاهتمام يتزايد نحو دراسة الأحياء الفقيرة، الأمر الذي جعل مدينة مثل شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية حقلا خصبا لمختلف الدراسات الجنائية الاجتماعية .
إن الفكر لا يتحرك في فراغ، وإنما هو في كثير من الأحيان يستجيب لمتطلبات الواقع ويعبر عنه، وفي تاريخ الفكر الإسلامي فإن مذاهب التشدد في الالتزام بالنصوص ومذاهب إطلاق حرية الرأي والاجتهاد لم تبرز إلا تلبية لواقع اجتماعي معين ساد في بيئة واختلف في بيــئة أخرى .
وتشير الوقائع إلى ظهور بعض الأمكنة التي أصبحت تربة خصبة لتوالد وانتشار بعض الانحرافات السياسية و الفكرية والعقائدية المنحرفة. وأمسى أصحاب هذه الانحرافات في ملاذ آمن من القانون والمحاكمة. وعندما يغيب القانون والنظام والسيطرة في بيئة ما، فإن احتمالات إفراز هذه البيئة لانحرافات سلوكية وفكرية تبقى عالية حيث المحضن الخصب لسيطرة مفاهيم وقيم القوة والعنف والانتقام. ولذا نجد كثيراً من الحكومات تخشى من المناطق العشوائية أو الخارجة عن التنظيم أو تلك التي يصعب الوصول إليها، حيث تكون ملاذا آمنا للفارين من السيطرة والقانون والمحاكمات ، وهو ما جعل مدينة مثل أسيوط في فترة ما أحد قلاع التطرف والإرهاب في مصر.
وقد يسري هذا القول على الدول كذلك، ولذلك نجد بلدا مثل أفغانستان على سبيل المثال بعد سقوط النظام فيه عام 1992 ومروره بالحرب الأهلية (1992 – 1996) وتسلم حركة طالبان زمام الحكم فيه (1996 – 2000) أصبح مرتعا لكثير من الحركات والجماعات المتطرفة بأسلحتها وقواعدها وإصداراتها وأفكارها.
وفي بيئة أخرى مشابهة وهي العراق وبسبب عدم الاستقرار السياسي بعد سقوط نظام البعث الحاكم ، كثرت الصراعات السياسية، والطائفية فظهرت هناك موائد الذبح وحمامات الدم وجز الأعناق وتفخيخ المركبات. وأصبحت هذه البيئة مهيأة لكل انحراف في الفكر والسلوك فأخذت كل جماعة وطائفة وتنظيم يصدر الفتاوى والبيانات، والمنشورات المكفرة والمهددة للأطراف الأخرى، وما كان ذلك ليكون إلا في بيئة مناسبة ومناخ ملائم يدعو إلى الكراهية والانتقام ويفتقد إلى الحب والسلام.
هـ - قوة الجماعة المرجعية
يتأثر سلوك الإنسان بالأفراد الآخرين بطرق مختلفة وبدرجات مختلفة، وهؤلاء الأفراد هم عادة ما يعتبرون مرجعا للفرد في السلوك والأفكار والقيم وهو ما يسمى بالجماعة المرجعية ، وهو مفهوم ينطبق على أي جماعة يتواجد فيها الفرد فيتخذها هاديا لتصرفاته الخاصة أو لتنمية أهدافه، ويشعر أنها تشبع ميوله وتحقق آماله، فيتقبل معاييرها ويعتز بقيمها، وقد يدافع عنها ويضحي من أجلها. وكلما كانت هذه الجماعة قوية كلما كان تأثيرها أكبر على أفرادها. ومن الجماعات المرجعية التي يرجع إليها الفرد جماعات المواجهة الصغيرة التي يسود فيها الارتباط الفعلي مثل العائلات أو المنظمات سواء كانت منظمات رئيسية أو اجتماعية أو سياسية.
وقد تحدد الجماعات المرجعية أنواعا من السلوك لأفرادها أو طريقة استخدامهم لذواتهم أو أنشطتهم، كما تقدم لهم معتقدات، وأفكاراً ينبغي الإيمان بها والدفاع عنها وقد تكون هذه الأفكار ناقصة أو مشوهة أو عدائية نحو الأفراد والمجتمع. وقد يكون لها قوة طرد العضو من الجماعة إذا خالف الأعراف أو انتقد الأيدلوجية أو المعتقدات السائدة لديها .
وتستمد الجماعة المرجعية قوة تأثيرها من خلال خمسة جوانب للقوة هي كالتالي:
1. قوة المعلومات: وتعني قدرة الجماعة على تقديم معلومات للفرد تقنعه بأن التغيير المطلوب تغيير جيد ولصالح الفرد والمجتمع. وهذا في الواقع ما تقوم به جماعة التطرف عندما تقنع أعضاءها بأن قلب أنظمة الحكم والاستيلاء عليها هو تغيير في صالح الدين أو الحزب.
2. قوة الشرعية: تتمثل في تقبل الفرد لشرعية الجماعة وصواب أفكارها ومعتقداتها. فيدافع عنها ويضحي من أجلها، وهذا ما يغرسه أصحاب الفكر التكفيري في عقول التابعين لهم بأنهم على حق وأن قلوا ، وإن الحكومات والأنظمة غير شرعية وإن قوانينها وضعية. لذا من الواجب مواجهتها والثورة عليها من أجل تغييرها.
3. قوة الخبير: وتنبع هذه القوة من المعرفة العالية والخبرة والقدرة الكبيرة التي تنسبها الجماعة لفردها. وهذا واقع مشاهد لما يسمى بتنظيم القاعدة وما ينسبه هذا التنظيم من هالة وقوة وتخطيط لزعيمه أسامة بن لادن.
4. قوة القهر: وهي قدرة الجماعة على توقيع العقاب على الشخص الذي يفشل في الانصياع لتأثيرها.
5. قوة الثواب: وتعني قوة الجماعة على تقديم الثواب لمن يستجيب لها، وقد يكون الثواب في صورة مال أو خدمة أو بضاعة أو تخليد اسم. وكثير ما تستخدم التنظيمات المتطرفة هذه القدرة عن طريق تقديم الإغراءات إلى أفرادها بتنمية شعور البطولة والحماسة والتضحية لدفع الفرد إلى الموت والاستشهاد في سبيل الحق. ومن الإغراءات في هذا المجال تغطية مكانة الفرد وإطلاق اسم الشهيد أو البطل أو المجاهد عليه.
و - المنهج التعليمي الخفي
يشكل المنهج التعليمي الإطار الكلي للعملية التربوية فهو أداة التربية في تحقيق أهدافها والوصول بالفرد المتعلم إلى أقصى ما يمكن من إبراز طاقاته، والكشف عن قدراته، وتنمية ما لديه من استعدادات ومواهب، وإمداده بمختلف المهارات الجيدة التي تمكنه من العيش السعيد من أجل نفسه ومن أجل المجتمع الذي ينتمي إليه. ويضم المنهج التعليمي كل الخبرات التي يكسبها التلميذ تحت إشراف المدرسة وتوجيهها سواء أكان ذلك داخل الفصل الدراسي أو خارجه .
إن المعلمين هم الذين يديرون المنهج التعليمي وهم الذين يعملون على تحقيق أهدافه وهو دائما ما يكون منهجا معلنا يخضع للسيطرة من قبل الجهات الحكومية التي تعمل من خلاله على تحقيق أهدافها بأشكال وطرائق غير مباشرة.
إلا أن المتعلمين يتعلمون أحيانا أشياء لا تدرس فعليا في المنهج الرسمي المعلن، وهي أشياء أو معلومات تأتي من منهج آخر يطلق عليه المنهج الخفي، وهو نوع من الخروج من قبل المعلم أو المعلمة عن النص المكتوب عن طريق أفعال تمثل فهما أو قناعات خاصة، أو قيم أو توجهات تظهر في النشاطات والممارسات وبعض مظاهر السلوك التي يتعرض لها الطلاب داخل المـدرسة مما لا تتضمنه المــقررات الدراسية .
وينظر علماء التربية ومنظرو المناهج إلى أن المنهج الخفي يلعب دورا خطيرا في تشكيل وتأهيل بعض الأفكار المنحرفة أو المتشددة. وتكمن خطورة المنهج الخفي كذلك بأنه يأتي من خلال المعلم الذي هو المكون التالي بعد الوالدين لشخصية الإنسان.
وفي دراسة حديثة عن أثر انحراف القدوة على السلوك العدواني لدى عينة من المراهقات كشفت الدراسة عن علاقة دالة إحصائيا بين السلوك العدواني للقدوة (الأب ، الأم ، المعلم) والسلوك الانحرافي لدى أفراد العينة .
ومن ضمن المنهج الخفي ما يقدم من المحفزات وبعض الجوائز التي تقدم للطلاب على أنها أشرطة دينية، ولكن بعضها يحتوي على أفكار متشددة أو تهيئ الطالب لنقل الفكر المتطرف مستقبلا. وقد تتحول المدارس من أماكن للتعليم إلى ساحات للوعظ والإرشاد وتأصيل بعض الأفكار المتشددة مثل الانعزالية أو التكفيرية التي قد ينقلها بعض المعلمين. والخطورة هي ان المعلم يعتبر المثل الأعلى والقدوة الحسنة في نظر الناشئ يحاكيه سلوكيا من حيث يشعر أو لا يشعر. وعندما تنحرف هذه القدوة في الفكر أو السلوك فإنه سيبث أفكاراً شاذة منحرفة للنشء تأخذ أشكالا كثيرة يتعلق بعضها باكتساب الفرد أفكارا معادية لتعاليم الدين أو معادية ومخالفة للقيم الثقافية الرئيسة السائدة في المجتمع.
ز- اليأس والإحباط
أحد المساهمات الرائعة لعلم النفس الاجتماعي هو تقديم نظريات تفسر السلوك العدواني. ومن أهمها نظرية الإحباط – العدوان. و تفترض هذه النظرية أن الإحباط يؤدي دائما إلى العدوان، وأن العدوان ينتج دائما عن الإحباط. وقد تعدل هذا الفرض بعد ذلك ليتضمن التسليم بأن الإحباط يمكن أن يؤدي إلى أنواع عديدة من السلوك غير العدوان مثل : زيادة الاتكالية أو الانزواء أو التسليم أو الاضطرابات الشخصية أو الإدمان. كما أنه قد يؤدي كذلك إلى احتمال الانحراف الفكري - العقائدي .
ففي حالة اليأس والإحباط من تغيير الواقع فان الفرد يتعرض إلى تغيرات سلبية في التفكير والشعور . ففي مجال التفكير تقل أمام العقل الخيارات والمحاولات والحلول للتغلب على العوائق. وقد يتجه الفرد بناء على ذلك إلى التفكير المنحرف المتطرف لعلاج المشكلات فيكون التفجير بدل الحوار والتفكير، والانتحار أفضل اختيار، والعزلة والانسحاب بديل عن الأهل والأصحاب.
أما في جانب الشعور والإحساس فإن الفرد في حالة اليأس والإحباط يغلب عليه التشاؤم والشعور بالمرارة ونقص الكفاءة والفعالية ومبالغة في علل العالم وأوضاعه، كما ينخفض مستوى الروح المعنوية، وينعدم الأمل في المستقبل إضافة إلى نزعة إلى الشعور بالذنب والدونية والانتقاص من قدرة الذات. وجميع هذه مشاعر سلبية تجعل صاحبها فريسة سهلة للتأثر بأفكار ومعتقدات مشوهة ومتطرفة من أجل تغيير الواقع، فهو بسبب يأسه وإحباطه يتقبلها دون مناقشة أو نقد أو تمحيص.
ح- وسائل الإعـــلام
تلعب وسائل الإعلام دورا لا يستهان به في تكوين الاتجاهات والأفكار والتطرف فهي تؤثر بما تقدمه من برامج وأفلام وأخبار عن الأشخاص والأحداث. وتنبع أهمية المؤسسات الإعلامية من أنها أصبحت الصوت المسموع لدى جميع أفراد المجتمع، والأثر الذي تتركه المؤسسات الإعلامية لا يقتصر فقط على ما تبثه خلال ساعات اليوم والليل، بل يتعدى ذلك إلى ممارسة دور الموجه حيث تحاول كل جهة غرس قيمها ومفاهيمها وأفكارها ونظرياتها في عقول المتلقين وصولاً إلى أهداف مبرمجة سلفاً . وليس غريباً أن يكون من بين تلك الأهداف الإضرار ببعض الأنظمة والدول عبر برامج سافرة أو مستترة تسعى إلى تقويض الأمن والأمان والاستقرار الاجتماعي بها.
وتبرز مساهمة وسائل الإعلام في تكوين الانحرافات الفكرية عند الأفراد والجماعات في ما يظهر في التغطيات الإعلامية لبعض الحوادث الإرهابية التي تقوم بها بعض الجماعات المــتطرفة ، حيث تقارن وسائل الإعلام بمبالغة مفرطة بين أفراد تلك الجماعات وبين بقية أفراد المجتمع، وتصوير الدولة والمجتمع في "صورة ملائكية" وإنكار أخطاء أفراد المجتمع وتعظيم أخطاء أفراد الجماعات المعتدية، مما يحدث فكرا منحرفا مضادا وفجوة هائلة بين الواقع والمثال يستغله أصحاب الفكر المنحرف من متطرفين وغيرهم في برنامجهم القائم في الأساس على المقارنة بين مثال خيالي وبين الواقع الموجود وهي مقارنة تثير الإحباط واليأس والاستفزاز عند بعض الأفراد.
ومن جانب آخر فان هناك ترويجا إعلاميا لما يقوم به الإرهابيون ونشراً لأفكارهم مثل بث البيانات والخطابات لبعض المتطرفين في بعض المحطات العربية المتعاطفة مما قد يؤجج جماح بعض الناشئين وإغراء المهووسين بالشهرة والحاقدين على الأوضاع الاجتماعية أو السياسية وتقوية درجة الانبهار بأعمال الإرهابيين لدرجة تقليدهم وإتباع خطواتهم خاصة أولئك الذين لديهم استعداد بدني ونفسي أو عقائدي لمحاكاة عتاة الإرهابيين المروجين لنظريات وأيديولوجيات ومطالب محددة.
وتنمي بعض وسائل الإعلام مشاعر الكراهية والعدوانية التي تولد بدورها أفكاراً تبرر العنف وتكفر الآخر وتحرض على الانتقام، وذلك عندما تستفز بعض تلك الوسائل المشاعر الدينية للأمة بتجاوز الثوابت العقدية والاستهانة بالأحكام الفقهية الراسخة أو تزييف وتحريف النصوص الشرعية لغايات معينة وكذلك استهداف الأشخاص باتهام النوايا والتهكم والسخرية.
ومن جانب آخر، ساعدت شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) كوسيلة إعلامية عالمية في نشر الأفكار الأيديولوجيات المتطرفة والمنحرفة من خلال بروز فقه جديد عبر هذه الشبكة وهو ما يسمى فقه الإنترنت بما يحتويه من فتاوى فردية مشحونة بالانفعال والكراهية والتحريض على العنف، ولقد أدركت الجماعات المتطرفة أهمية وجودها على شبكة الإنترنت العالمية فطورت من مستوى هذا الوجود كما وكيفا حيث الاتصال السريع دون عقبات أو حدود سياسية أو جغرافية إضافة إلى خلوه من السيطرة الحكومية ، تهيئ بيئة مثالية لتنفيذ المخططات المشبوهة. فبدأت جماعات التطرف والانحراف وبشكل خاص في الدين نشر فتاواها التكفيرية وإصدار التعليمات والأوامر لتنفيذ الخطط والتفجير عبر هذه الوسيلة الإعلامية التي تدخل في كل بيت. فمن خلال هذه الشبكة يمكن لهذه الجماعات أن تجند شاباً وهو في منزله وبين ظهراني أهله الذين لا يعلمون عنه شيئاً ، أنه يقضي الساعات أمام جهاز الكمبيوتر. ولكن هذا الشاب في الواقع يتعلم كيف يصنع قنبلة وكيف يقتل، إضافة إلى تدريبه على استعمال مختلف الأسلحة التقليدية والبيولوجية .
ويهتم أصحاب هذه المواقع على الإنترنت بمخاطبة الشباب من الجنسين بأسلوب ترغيبي مثير للعواطف الدينية ، فهناك قسم خاص بالمرأة المجاهدة ، وهناك قسم خاص بخطب وفتاوى تحث على قتال الكفار وكل من يواليهم من المسلمين، ومعرض للصور و الفيديو تعرض لقطات الاقتحام ، وتفجير المواقع في بعض الدول، والتي نفذها أفراد هذه التنظيمات.
ط- الإعجاب بالرأي:
يؤمن بعض الناس بأفكار ليس عليها دليل، ويدافعون عنها دون مناقشة منطقية أو حجج وبراهين قاطعة حتى تصبح عقائد راسخة يصعب تغييرها، يدفعهم بذلك الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي حتى لو تبين لهم الحق.
وتنتشر هذه الأفكار المنحرفة مدعومة بأقوال خلابة وشخصية جذابة لخداع الكثير من السذج والجاهلين، فيعجبون بزخارفها، ويؤمنون بها ويدافعون عنها باعتبارها حقيقة مشرقة وساطعة. وتصل هذه الأفكار مداها في التطرف عندما يموت الكثير في سبيل تحقيقها، وذلك بسبب أن أصحابها مصابون بمرض الغرور بالنفس والإعجاب بالرأي. وكم في التاريخ من فرق متعددة تحمل مذاهب فكرية سقيمة، منحرفة عن المنهج الفكري السليم بسبب داء الغرور والإعجاب بالرأي .
ويقدم لنا التاريخ الحديث أمثلة واقعية على انحرافات فكرية أدت إلى نتائج باهظة التكاليف ماديا وبشريا، بسبب غرور أصحابها بأنفسهم وإعجابهم بآرائهم الخاطئة وأفكارهم المعوجة المهلكة. من تلك الأمثلة ما حدث من الرئيس العراقي السابق صدام حسين بعد غزوه لدولة الكويت من رفض كل النصائح والمناشدات من الرؤساء العرب والأجانب بالانسحاب من الكويت، ونزع فتيل الحرب وحل الأزمة سلميا. إلا أن الغرور والثقة العمياء بالنفس والإعجاب بالرأي كان هو السائد والحائل دون أي تراجع عن رأيه وموقفه، والنتيجة حرب مدمرة لم تقض على الآلة العسكرية العراقية فحسب بل أرجعت العراق إلى عهد الوصاية الدولية.
مثال آخر عبر عنه الرئيس الصربي السابق ميلوسوفيتش حيث ادعى بأن الحرب ضد البوسنة والهرسك عام 1993 هي السبيل إلى تحقيق حلم صربيا الكبرى، وقد كانت هذه الأفكار المنحرفة المدعومة بشخصية متسلطة ونظام دموي صارم لا يرحم ، تجد صداها في عقول بعض المتعصبين الصرب.
والإعجاب بالرأي سمة يمكن استغلالها وتوظيفها ببراعة عند جماعات المتطرفة وبشكل خاص المتطرفة دينياً. فقد تصور هذه الجماعات نفسها أو أفكارها إلى درجة خيالية تدفع إلى إضفاء القداسة عليها، وتبالغ في عقاب وتصفية من يتعرض لها بالنقد أو التجريح , فهي معصومة عن الخطأ واجبة الطاعة.
وتستبقي الجماعات المتطرفة أتباعها والمتعاطفين معها بطرق عدة منها:
1. إيهام الإتباع بأنهم على حق , وأنهم كالرسل وأصحابهم، ذوو رسالة لا بد أن توضع في طريقها الصعاب، وأن النصر لهم في النهاية وعليهم أن يثبتوا على مبادئهم، فإن انتصروا فهو نصر من الله وتأييد لهم، وإن أخطأوا فهو ابتلاء من الله، ليمحص ذنوبهم ويقوي من شوكتهم. فالجماعة أو التنظيم هي الطائفة المنصورة القائمة بأمر الله ، والمؤمن الصادق هو الذي يوفقه الله للانضواء تحت لوائها.
2. عدم اطلاع الأتباع على الخطأ المتراجع عنه خوفا من أن يردهم ذلك عن التمسك بمنهج الجماعة أو النفور منها. وعندما يطلع بعض الأتباع على تراجع ما من أحد قادة التنظيم أو منظريه, فإن الجماعة تبرر ذلك على أنه إكراه من قبل رجال الأمن جاء تحت وطأة الأسر والتعذيب.
3. الانتقائية في القراءات والمشاهدات والتي تُقدم باعتبارها صادقة وموثقة وشرعية. فلا مجال للاختيار أو الاطلاع على وسائل إعلامية أو مصادر ثقافية أخرى. فهناك عزل إعلامي عن أفراد التنظيم أو الجماعة فلا يسمعوا ما يحصل خارج نطاقهم من مستجدات. فالمسموح فقط هو المقابلات الخاصة بقادة التنظيم وخطبهم والفتاوى المؤيدة لفكرهم , وكتب التحريض والتفكير التي يرجعون إليها في فتاواهم ومبرراتهم وهي غالبا تهاجم وتكفر الحاكم والدولة.
4. العزل النفسي والاجتماعي للأتباع عن الأسرة والمجتمع. وقطع أواصر العلاقة بينهم وبين أسرهم وأقاربهم.
5. الزهد في العلماء بعدم التزام فهمهم والاستقلال بالفهم دونهم. وإسقاط منزلتهم والطعن في فقههم، وعقائدهم ومنهجهم، خاصة عندما يتعارض مع مصالح الجماعة أو التنظيم، وكذلك ربط كل خلل يحدث في المجتمع - سواء كان انحرافا في فكر، أو سلوكا ً- بالعلماء واعتبارهم المسئولين عنه، وذلك تشويهاً لصورة وسمعة العلماء في مقابل تعظيم قادة الجماعة، والثناء عليهم.
6. تشييخ المتعالمين ومن ليسوا بأهل علم ، ورفعهم إلى مصاف العلماء وجعلهم قادة وأئمة وإطلاق الألقاب الكبيرة عليهم ترويجـا لفكرهم وفتاواهم . وكذلك تصدرهم للفتيا ونصب أنفسهم لها من غير مشورة من أهل العلم ولا استئذان.
ي - التمسك بالأفـكار القديـمة:
إن التمسك بالأفكار والمعتقدات القديمة دون مناقشة أو تمييز بين الخطأ والصواب الذي تحمله، أو الحق والباطل الذي تدعو إليه بسبب جمود التفكير وإلغاء دوره العظيم في التأمل والتفكير. كما أن هذا التمسك بالأفكار القديمة وما جرى عليه العرف والتقاليد يؤدي بالإنسان إلى عدم تقبل ما يعرض عليه من أفكار جديدة، فيتمسك بالمألوف والمعروف ويعتاد عليه ولا يخرج عنه إلا بقدر من الجهد والإرادة والعزم. وقد يكون وراء التمسك بالأفكار القديمة لدى الفرد عوامل متعددة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://al7afe.ahlamontada.net
 
الانحراف الفكـري وأثره على الأمن الوطنـي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربيـة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الحافي :: المنتديات الإعلامية :: المنبر السياسي-
انتقل الى:  

 

y>© phpBB | منتدى مجاني | منتدى مجاني للدعم و المساعدة | إتصل بنا | التبليغ عن محتوى مخالف | انشئ مدونتك الخاصة